سيد قطب

1929

في ظلال القرآن

ففي ذلك الأخذ الأليم الشديد مشابه من عذاب الآخرة ، تذكر بهذا اليوم وتخيف . . وإن كان لا يراها إلا الذين يخافون الآخرة فتتفتح بصائرهم بهذه التقوى التي تجلو البصائر والقلوب . . والذين لا يخافون الآخرة تظل قلوبهم صماء لا تتفتح للآيات ، ولا تحس بحكمة الخلق والإعادة ، ولا ترى إلا واقعها القريب في هذه الدنيا ، وحتى العبر التي تمر في هذه الحياة لا تثير فيها عظة ولا فهما . ثم يأخذ في وصف ذلك اليوم . . « ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ » . . وهنا يرتسم مشهد التجميع يشمل الخلق جميعا ، على غير إرادة منهم ، إنما هو سوق الجميع سوقا إلى ذلك المعرض المشهود ، والكل يحضر والكل ينتظر ما سوف يكون . . « يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ » . . فالصمت الهائل يغشى الجميع ، والرهبة الشاملة تخيم على المشهد ومن فيه . والكلام بإذن لا يجرؤ أحد على طلبه ، ولكن يؤذن لمن شاء اللّه فيخرج من صمته بإذنه . . ثم تبدأ عملية الفرز والتوزيع : « فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ » . . ومن خلال التعبير نشهد : « الَّذِينَ شَقُوا » نشهدهم في النار مكروبي الأنفاس « لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ » من الحر والكتمة والضيق . ونشهد « الَّذِينَ سُعِدُوا » نشهدهم في الجنة لهم فيها عطاء دائم غير مقطوع ولا ممنوع . . هؤلاء وأولئك خالدون حيث هم « ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ » . وهو تعبير يلقي في الذهن صفة الدوام والاستمرار . وللتعبيرات ظلال . وظل هذا التعبير هنا هو المقصود . وقد علق السياق هذا الاستمرار بمشيئة اللّه في كلتا الحالتين . وكل قرار وكل سنة معلقة بمشيئة اللّه في النهاية . فمشيئة اللّه هي التي اقتضت السنة وليست مقيدة بها ولا محصورة فيها . إنما هي طليقة تبدل هذه السنة حين يشاء اللّه : « إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ » . . وزاد السياق في حالة الذين سعدوا ما يطمئنهم إلى أن مشيئة اللّه اقتضت أن يكون عطاؤه لهم غير مقطوع ، حتى على فرض تبديل إقامتهم في الجنة . وهو مطلق فرض يذكر لتقرير حرية المشيئة بعد ما يوهم التقييد . بعد هذا الاستطراد إلى المصير في الآخرة ، بمناسبة عرض مصائر الأقوام في الدنيا ، والمشابه بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، وتصوير ما ينتظر المكذبين هنا أو هناك ، أو هنا ثم هناك . . يعود السياق بما يستفاد من القصص ومن المشاهد إلى الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - والقلة المؤمنة معه في مكة - تسرية وتثبيتا ؛ وإلى المكذبين من قومه بيانا وتحذيرا . فليس هناك شك في أن القوم يعبدون ما كان آباؤهم يعبدون - شأنهم شأن أصحاب ذلك القصص وأصحاب تلك المصائر - ونصيبهم الذي يستحقونه سيوفونه . فإن كان قد أخر عنهم فقد أخر عذاب الاستئصال عن قوم موسى - بعد اختلافهم في دينهم - لأمر قد شاءه اللّه في إنظارهم . ولكن قوم موسى وقوم محمد على السواء سيوفون ما يستحقون ، بعد الأجل ، وفي الموعد المحدود . ولم يؤخر عنهم العذاب لأنهم على الحق . فهم على الباطل الذي كان عليه آباؤهم بكل تأكيد : « فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ . ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ . وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ .